الراغب الأصفهاني

669

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

وكتب قيصر إلى الرشيد على سبيل المعاياة : ابعث إليّ بشر الطعام على شرّ الدواب مع شر الناس فبعث إليه جبنا على حمار مع خوزي . وقيل : اصبر على الذلّ من الحمار . ويضرب المثل به في الصوت ، قال اللّه تعالى : إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ « 1 » وقيل لأعرابي : ألا تركب الحمار ؟ فقال : إنه عثرة منخرة ، تبوع للحجرة . وقيل : الحمار مطية الدجال قال شاعر : إن الحمار مع الحمار مطيّة * فإذا خلوت به فبئس الصاحب وقيل لبعضهم : أي مركوب كلما كان أكبر كان أذلّ لصاحبه ؟ فقال : الحمار . وقيل : لا تركب الحمار فإنه إذا كان سلسا أتعب يديك ، وإن كان بليدا أتعب رجليك . ولقي جحظة بعض أصحابه على حمار فقال : مالك اقتصرت على ركوب حمار ، لا يساوي ثمن قضيمه ؟ فأنشأ يقول : لا تنكرنّي على حمار * يضيع في مثله الشعير وكيف لا يمتطي حمارا * من جلّ إخوانه حمير وقال : ولا عن رضا كان الحمار مطيّتي * ولكن من يمشي سيرضى بما ركب ( 2 ) فضل الفرس قال اللّه تعالى في الامتنان به : وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ « 2 » ومن فضيلته أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أسهم له سهمين ، ولم يجعل لراكبه المسلم إلا سهما . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : الخيل معقود في نواصيها الخير . وقال رجل من الأنصار وقد روي لامرئ القيس : الخير ما طلعت شمس وما غربت * معلّق بنواصي الخيل معصوب ويروى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أمرغ فرسا له ، ثم جعل يمسحه بردائه ، فقيل له في ذلك فقال : بتّ البارحة وجبريل يعاتبني في سياسة الخيل . وكانت العرب لا تهنأ إلا بثلاث إذا ولد للرجل ذكر قيل له ليهنك الفارس ، وإذا نبغ في الحيّ شاعر قيل لوالده ليهنك من يذب « 3 » عن عرضك ، وإذا نتج مهرا قيل له : ليهنك ما تطلب عليه الثأر .

--> ( 1 ) القرآن الكريم : لقمان / 19 . ( 2 ) القرآن الكريم : الأنفال / 61 . ( 3 ) ذبّ عن : دافع ، والعرض : كل ما يحامى عنه .